مؤتمر «إسهامات الفارابي» بالأزهر الشريف‏..‏ إضاءات على الحضارة الإسلامية

0
869

تقرير- أحمد واضح:

– وكيل الأزهر: الثقافة الإسلامية لها دور كبير في بناء الحضارة الإنسانية

– أمين عام هيئة كبار العلماء: الفارابي علامة بارزة ودرة مضيئة من التراث الحضاري الإسلامي

– رئيس جامعة الفارابي: التعاون مع جامعة الأزهر يسهم في تعزيز الصداقة بين مصر وكازخستان

– نائب جامعة الأزهر: المسلمون لهم الأثر البالغ في بناء الحضارة الإنسانية

– عميد كلية الدراسات الشرقية بجامعة الفارابي: آراء الفارابي العلمية تراثا مشتركا للبشرية جمعاء

– أستاذ بجامعة أوراسيا: المؤتمر خير شاهد على رسالة الأزهر الروحية والعلمية والتنويرية

 

نظم مجمع البحوث الإسلامية بالتعاون مع سفارة دولة كازاخستان، بمشيخة الأزهر، مؤتمر «إسهامات الفارابي في إثراء الحضارة الإنسانية»، والذي يستمر على مدار اليوم وغدًا، بمشاركة شخصيات دولية، عبر تقنية «فيديو كونفرانس»، في إطار توجيهات فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب، واهتمامه بالرموز العلمية والفكرية للأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل وعلى امتداد رقعتها الجغرافية، وتعدد أعراقها التي يجمع بينها الإسلام.

الدكتور محمد الضويني وكيل الأزهر الشريف، قال خلال كلمته بالمؤتمر،: “إن المنصفين من العلماء والمفكرين أشادوا بفضل الحضارة الإسلامية، وأقروا بها لما لها من أثر خالد في حضارة أوروبا، بل والعالم أجمع، بما يجعل العالم المعاصر مدينا لهذه الحضارة العريقة، موضحا أن هذا المؤتمر ينعقد حول علم من أعلام الحضارة الإسلامية، وفيلسوف من فلاسفة الإسلام، نظرا لقدره ومكانته التي توجب علينا أن نقف إجلالا أمام سيرته، وسير العظماء الذين شكلوا التاريخ، ووضعوا أسس الحضارات، وشيدوا بناءها، ونذروا أنفسهم لأجل أهداف عليا آمنوا بها، وقيم مثلى عملوا لها، وأهداف نبيلة سعوا إليها”.

وأوضح فضيلته، أن التاريخ يزخر بأمثال هؤلاء العباقرة المبدعين، الذين كانوا لآلئ لأممهم، ودررا نفيسة لأوطانهم، وقناديل أضاءت مجتمعاتهم، وأن أقل واجب علينا تجاههم أن نكرمهم، مشيرا إلى أن التكريم الحقيقي لهؤلاء العلماء يكون بإحياء مآثرهم، والاقتداء بهم، والسير على مناهجهم، ورعاية ما وضعوه من بذور العلم، بما يبقيهم أحياء في عقول الناس وقلوبهم يهدونهم من ظلمات الجهل والهوى.

وأكد وكيل الأزهر، أن هذا المؤتمر يعد اعترافا من الأزهر الشريف بالفضل لأهل العلم الذين أناروا دروب البشرية بما قدموه من آثار، ليبرز للإنسانية جمعاء -وللمسلمين بشكل خاص- رموز الحضارة الإسلامية وأعلامها، وحقيقة عزها، وباب مجدها، ومصدر وجودها، موضحا أن الأزهر يهدف من خلال هذا المؤتمر إلى تعريف الأجيال بعلم من أعلام الأمة الذين شبوا وترعرعوا في أحضان الثقافة الإسلامية، ولم تمنعهم نشأتهم، ولا ثقافتهم الإقبال على الآخر أو التعامل معه، فضلا عن بيان فضل الثقافة الإسلامية ودورها في تشييد بناء الحضارة الإنسانية، وتأكيدا على أهمية التعاون بين المؤسسات الدينية والعلمية والسياسية،  المحلية منها والعالمية؛ للكشف عن الكنوز العلمية الحضارية، وبيان دور باعثيها؛ لتصحيح الأخطاء المتعلقة بحضارتنا من جهة، وتأكيدا على التلاقي الفكري، والتعاون المعرفي، والتواصل العلمي المستمر بين الحضارات المختلفة والثقافات المتعددة، وهو ما يؤصل لحوار ثقافي وفكري متميز ومستنير.

وأشار الضويني، إلى أن الفارابي ترك ذخيرة علمية مهمة شكلت كثيرا من آراء الفلاسفة المسلمين الذين جاءوا من بعده، بل وغير المسلمين، وما زالت بصمات الفارابي في العلوم العقلية والفلسفة الإسلامية باقية حتى اليوم، ويشهد بهذا القاصي والداني من مسلمين وغير مسلمين، موضحا أن هذا المؤتمر سيبقى خطوة واحدة ينبغي أن تعقبها خطوات لإظهار ما تناوله هذا العالم الفذ بشكل تفصيلي ودقيق من علاقة واجبة بين العقل والوحي، وبين الحكمة والشريعة، وبين الدين والفلسفة.

مفتي كازاخستان

ومن جهته قال فضيلة مفتي جمهورية كازاخستان “كاويزباي أونغارف”، إن الفارابي ساهم في الحضارة الإنسانية بعلومه ومعارفه، مشيرا إلى أنه قد جاب البلاد عالما ومتعلما، فدرس في البداية في مدرسة أوترار بكازاخستان، ثم سافر إلى بغداد، وسوريا، ومصر، وسمرقند، وبخارى، وغيرها من البلاد، لافتا إلى أن الفارابي أتقن اللغة العربية والفارسية واليونانية واللاتينية والسنسكريتية، وله العديد من الاكتشافات العلمية في مختلف المجالات.

وأضاف مفتي كازاخستان، خلال مشاركته في مؤتمر «إسهامات الفارابي في إثراء الحضارة الإنسانية» بمقر مشيخة الأزهر، أن أكثر ما يميز الإنسان، وفقا للفارابي، هو العقل والفكر، فإن الشخص الحكيم والحصيف يحقق أهدافه سريعا، وأن القلب عنده هو مفتاح التواصل الفعال والحكم الرشيد ومفتاح القيام بالأعمال الخيرية، لافتا إلى مقولة الفارابي بأن الإنسان الكريم المثقف يعيش من أجل الحكمة والإحسان.

ومن جهته، قال سفير جمهورية كازاخستان بالقاهرة، السيد خيرات لاما شريف، إن الفارابي يُعد الرمز الثقافي لكازاخستان، كما أن اسمه خَالد في ذاكرة الناس، ومن واجبنا أن ننقل تراثه الروحي والفكري إلى جيل الشباب؛ مؤكدا أن الفارابي جزء من التاريخ والثقافة والفلسفة العالمية، وتفخر الجامعة الوطنية الكازاخية بأنها تحمل اسم الفارابي منذ عام 1991.

أمين عام هيئة كبار العلماء

وقال الدكتور حسن الصغير أمين عام هيئة كبار العلماء بالأزهر، إن التراث الفكري العبقري لفيلسوف الإسلام والمعلم الثاني الحكيم أبي نصر محمد (الفارابي) علامة بارزة ودرة مضيئة من درر التراث الحضاري الإسلامي، ذلك التراث الذي كان له أبلغ التأثير في جوانب من العلوم الإنسانية النظرية والتجريبية في اللغة والطب والفلسفة والمنطق وغيرها من العلوم،

وأردف: “هذا المؤتمر العلمي الحاشد يمثل محطة مضيئة في طريق الجهود الحثيثة التي تبذلها منابر الفكر الوسطي في عالمنا الإسلامي لتصحيح الصورة التي يصدرها المتحاملون في الغرب والشرق عن الإسلام”.

ومن جهته، أكد الدكتور محمد أبو زيد الأمير نائب رئيس جامعة الأزهر، أن فعاليات هذا المؤتمر تأتي تأكيدًا على عالمية الأزهر الشريف، مضيفًا أن المسلمين لهم الأثر البالغ في بناء الحضارة الإنسانية التي تشهد على تطورهم معتمدين على العلم النافع ودافعهم في ذلك اهتمام القرآن الكريم بالعلم ومكانة العلماء، مضيفًا أن العلم ليس مقصورًا على علوم الشريعة فحسب وإنما يمتد ليشمل جميع العلوم الأخرى، وقد تبوأ عالمنا ( الفارابي) الذي نحتفي به مكانًا عاليًا بين العلماء والذي أطلق عليه معاصروه بأنه المعلم الثاني الذي تأثر بمعلمه الأول (أرسطو) ولا خلاف بين المؤرخين جميعًا أن الإمام الفارابي هو المؤسس الأول للفلسفة الإسلامية.

وفي ذات السياق، قال الدكتور عبد الستار دير بيسالي، أستاذ بالأكاديمية الوطنية للعلوم بجمهورية كازاخستان، إن كل شعب من شعوب الأرض في تاريخ البشرية يفتخر بعظمائه وصانعي أمجاده  بما فيهم القادة والساسة والشخصيات الدولية والاجتماعية وغيرهم، ومن هؤلاء العظماء الإمام الفارابي الذي نفخر به جميعًا، ذلك العالم الموسوعي المفكر الإنساني الكبير، لافتًا أن العالم يحتفي اليوم بذكرى مرور 1150 عاما على الفارابي و(اليونسكو) بدورها دعمت هذه المناسبة وأدرجتها في قائمة الاحتفالات المهمة، الأمر الذي يحملنا جميعا بتقدير ما قدمه العالم الجليل من مؤلفات عظيمة دعمت الثقافة الإسلامية والإنسانية على حد سواء.

الدكتورة إلهام شاهين الأمين العام المساعد لمجمع البحوث

الأمين المساعد لمجمع البحوث

الدكتورة إلهام شاهين الأمين العام المساعد لمجمع البحوث ‏‏‏الإسلامية، قالت إن المؤتمر يحمل تهنئة ضمنية واحتفالًا بالمرأة في شهرها بوجود ‏ثلاث من ‏السيدات الأزهريات في مؤتمر خاص بالفلسفة يشاركن فيه بالعمل في ‏اللجنة العلمية ‏للمؤتمر، مضيفة أن ‏هذا المؤتمر يطل على العالم  بقياداته الأزهرية المنفتحة فكريًا ‏ليدحض ‏الافتراض الخاطئ لدى كثير من الناس بأنه ليس هناك إسهام ‏للمرأة في مجال ‏الفكر الفلسفي، ‏وقول مغلوط مفاده أن كل الفلاسفة من الرجال وليس ‏هناك امرأة ‏فيلسوفة، ويبنون على هذه ‏المقدمات المغلوطة نتائج  خاطئة تروج لمفاهيم ‏تقلل من ‏شأن التفكير العقلاني عند المرأة والذي ‏يعد التفكير الفلسفي شكلًا من أشكاله، ليأتي ‏تفوق العديد من النماذج النسائية في العديد من ‏المجالات ليدحض هذه التهمة لما ‏لهن ‏‏من باع كبير على مر العصور وفي كل الحضارات.‏ ‏ ‏

رئيس جامعة الفارابي الوطنية بكازخستان “جان سعيد”، قال خلال كلمته بمؤتمر «إن إسهامات الفارابي في إثراء الحضارة الإنسانية»: إنني على ثقة تامة بأن هذا المؤتمر سيعطي دفعة قوية لتقوية الصداقة والشراكة بين الشعبين الكازاخستاني والمصري، من خلال تبادل الأبحاث والتعاون العلمي بين جامعة الفارابي وجامعة الأزهر التي تعد منارة العلوم الدينية، مؤكدًا استعداد بلاده لتوسيع التعاون الدولي وتعزيز العلاقات الأكاديمية بين الأساتذة والطلاب مع الأزهر الشريف بما يسهم في مزيد من تقديم أبحاث علمية تخدم الإنسانية جمعاء.

الرابط الإنساني لكازاخستان

وفي السياق، أكد الدكتور اختيار بالتوري عميد كلية الدراسات الشرقية بجامعة الفارابي، أن الفارابي له مكانة خاصة في إثراء الحضارة الإنسانية، من خلال إسهاماته العلمية، موضحا أن الفارابي هو الرابط الإنساني والروحي لكازخستان مع العالم العربي، مشيرا إلى أن الفارابي كرس حياته للعلم والتعليم، فوضع أسس الفلسفة الإسلامية وربط العالم العربي بالغرب من خلال آراءه العلمية التي تعد تراثا مشتركا للبشرية جمعاء، والتي أسهمت بصورة كبيرة في النهضة الأوروبية.

وبدورها قالت الدكتورة سونيا الهلباوي أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة ‏الأزهر، أن الحديث عن جوانب التراث المضيئة التي تخاطب عقل الإنسان ووجدانه، ‏وتجمع ما فرقته الاختلافات الفرعية لمن واجبات وقتنا الحالي، ومن ثم توجهت هذه ‏الجهود المباركة نحو المفكر الموسوعي أبو نصر الفارابي الذي استحق بما قدمه للفكر ‏الإنساني لقب المعلم الثاني، ليس لأنه استطاع وبمنهجية نادرة أن يزيل هذا الحاجز ‏الأيدولوجي الذي يعزل الدين عن الفكر الفلسفي، ولكن لأنه وجه الأذهان المتنافرة إلى ‏مصدر واحد للمعرفة يمكن الوصول إليه بطرائق متعددة حسب الوجهة المعرفية ‏والسلوكية، فجاء منهج الفارابي العام محاولة صريحة للتوفيق والمقاربة المعرفية بين ‏العقل والإيمان، بين الفهم والاعتقاد.‏

من جهتها أكدت الدكتورة “سمال توليوبايفا” الأستاذة بقسم الدراسات الشرقية بجامعة أوراسيا الوطنية، أن عقد الأزهر ‏الشريف لمثل هذا المؤتمر يعتبر خير شاهد على رسالته الروحية والعلمية والتنويرية والتربوية، ‏مضيفة أن إسهامات الفارابي لم تفقد أهميتها إلى يومنا هذا، لأنها تتعلق بالمسائل الأزلية التي كانت تشغل ‏عقول ‏واهتمام المفكرين والعلماء على مدى العصور وهي العلم والمعارف والأخلاق والسعادة ومشاكل ‏المجتمع، ‏موضحة أن المعلم الثاني أبو نصر الفارابي أولاها اهتمامه، بل خصص لإدراكها ونشرها حياته كاملة.

وفي ذات السياق ‏أوضحت الدكتورة سهير الفيل، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، ‏أن الفارابي هو أول مَن ‏صاغ الفلسفة الإسلامية في ثوبها الكامل، ووضع أصولها ‏ومبادئها، وأدخل مسألة التوفيق ‏بين العقل والنقل في بنائه الفلسفي، وقد كانت من ‏المسائل الجديدة على الفكر الإسلامي، ‏ولا يقف فضل الفارابي عند تفسيره وشروحه ‏للمُصَنفات الأرسطية، ولا عند التمهيد للنهضة ‏الفلسفية في الإسلام، بل بما لديه من ‏أنظار إبداعية، ومُصنفات في الحكمة العلمية والعملية ‏عميقة سامية، كما تعد فلسفته من ‏الفلسفات ذات المعالم الواضحة، والأهداف المحددة، تترابط ‏أجزاؤها ببعضها البعض ‏ارتباطا وثيقًا بحيث تبدو منسجمة متناسقة، كل ذلك جعل الفارابي ‏يحظى بلقب” المعلم ‏الثاني”. ‏

إضاءة على الرموز

ويهدف المؤتمر إلى تعميق صلة الأجيال الحاضرة بعلمائهم ورموزهم لإدراك ما قدموه ‏لتاريخ الإنسانية وما يمكن أن يقدمه حاضرهم قياسًا على ما قدمه ماضيهم خصوصًا أنه ‏ماض يضرب بجذور عميقة في التاريخ الإنساني وله أبعاد متنوعة أثرت تأثيرًا إيجابيًا ‏في الحضارة الإنسانية.‏

ويستمر المؤتمر، الذي ينظمه مجمع البحوث الإسلامية بالتعاون مع سفارة دولة كازاخستان، على مدار يومين بمشيخة الأزهر، بمشاركة شخصيات دولية، عبر تقنية «فيديو كونفرانس»، وذلك في إطار توجيهات فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب، واهتمامه بالرموز العلمية والفكرية للأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل وعلى امتداد رقعتها الجغرافية، وتعدد أعراقها التي يجمع بينها الإسلام.